السيد كمال الحيدري

297

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

الطاعة والامتثال التي يظهرها الأتباع ، والقرآن الكريم بالقدر الذي يدعو إلى رصّ الصفوف ووحدة الكلمة وينهى عن الاختلاف وانقسام الرأي ، يُظهر جانباً آخر لأوجه تلك العلاقة وهو وجه دنيويّ ودينيّ في آن واحد ، فإن الامتثال الأعمى يفقد الفرد والأمّة معاً شخصيّتهما المستقلّة في تقييم الموقف ، وبالتالي فإنّه يلوّث كرامة الإنسان ككائن واعٍ في الحياة . ومن جانب آخر ( وهو جانب دينيّ ) فإنّ الزعامة تضع الطرفين ( الزعيم والتابع ) في خطر المخالفة الشرعية وإذا ما كان الزعيم نافذاً والتابع مطيعاً فإن متابعة الثاني للأول تحمِّل الأخير مسؤولية نتائج زعامته وتجعله شريكاً في كلّ ما يصدر عن الثاني من معاصٍ ومخالفات للتعاليم التي يحرّمها الدين عليهما . قال الآلوسي في إيضاح معنى الدعاء إلى الذي يمارسه هؤلاء الأئمّة : يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي : إلى موجباتها من الكفر والمعاصي ، على أنّ النار مجازٌ عن ذلك ، أو على تقدير مضافٍ ، والمراد : جعلهم ضالّين مضلّين ) « 1 » . نقل أبو نعيم الأصفهاني ( حلية الأولياء ) عن سعيد بن العباس الرازي قوله : ( فانظر إذا كنت إماماً أيّ إمامٍ تكون ، فربّما نجت الأمّة بالإمام الواحد ، وربما هلكت بالإمام الواحد ، وإنّما هما إمامان : إمام هدىً ، قال الله عزّ وجل : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا يعني : على الدنيا . وإنّما صاروا أئمّة حين صبروا على الدنيا ، ولا يكون إمام هدىً حجّة لأهل الباطل ، فإنّه قال : يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لا بأمر أنفسهم ولا بأمور الناس ، فقال : وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ فهذا إمام هدىً ، فهو ومن أجابه شريكان . وإمام آخر قال تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ

--> ( 1 ) الآلوسي ، روح المعاني ، مصدر سابق : ج 10 ، ص 291 .